Skip Navigation Links
 
  مسلسل الخصخصة وعاطف عبيد
2/28/2011 9:31:56 PM

الكاتب :
Eastlaws

من المعروف عند علماء القانون أن الدستور هو الذي يبين سلطات الدولة الثلاثة ويضع الأطر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لا يجوز النزول عنها بأي شكل من الأشكال.

وقد نصت المادة الأولى من الدستور الدائم لجمهورية مصر العربية الصادر سنة 1971 – قبل تعديلها سنة 2007 – بأن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي واشتراكي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة.

والاقتصاديون يقررون أن الدولة في النظم الاشتراكية هي التاجر والصانع والزارع الوحيد ولهذا نجد الدولة تحت تأثير الفكر الاشتراكي بان قامت بتأسيس شركات القطاع العام باعتبارها صورة حية للاقتصاد الاشتراكي في مصر.

إلا أننا فوجئنا في بداية التسعينيات من القرن العشرين بأن الدولة اتجهت – دون سند دستوري أو قانوني سليم – إلى خصخصة شركات القطاع العام بزعم أنها تحقق خسائر تفوق كثيرا الأرباح والمكاسب التي تحققها فصدرت عدة قرارات تنظم هذا الشأن وهي:-

1- قرار رئيس الجمهورية رقــم 534 لسنه 1993 بتاريخ  05/05/1994

 بشأن الموافقة على اتفاقية منحة مشروع الخصخصة بين حكومتي جمهورية مصر العربية والولايات المتحدة الأمريكية والموقعة في القاهرة بتاريخ 30/9/1993.

2- قرار رئيس الجمهورية رقــم 79  لسنه 1997 بتاريخ  13/11/1997 بشأن الموافقة على مذكرة التفاهم بين حكومتي جمهورية مصر العربية وكندا بشأن مشروع التنمية الكندية للمساعدة في خصخصة قطاع الأعمال العام المصري والموقعة في القاهرة بتاريخ 14 / 7 / 1996.

3- ثم تشكيل لجنة وزارية للقيام بالخصخصة عن طريق مجلس الوزراء برئاسة الدكتور عاطف عبيد بالقرار رقــم 1765   لسنه 2000 بتاريخ 30/08/2000

4- تم تولي وزيري الاقتصاد وقطاع الأعمال العام (كل فيما يخصه) مسئولية الخصخصة للشركات المشتركة  بموجب قرار مجلس الوزراء  رقــم 1502  لسنه 2002 بتاريخ  09/09/2002 برئاسة الدكتور عاطف عبيد جمهورية مصر العربية

الحلقة الأولى - وهكذا ستبقى عملية الخصخصة في مصر التي تمت على يد الدكتور عاطف عبيد، منذ أن كان وزيرا لقطاع الأعمال العام في التسعينات ثم رئيسا للوزراء في سنة 2000، النموذج الأكبر في الفساد العام الذي تمكن من كل مفاصل الحياة في مصر، وأعتقد أن هناك الكثير من الأسرار التي أحاطت بتنفيذها، وببيع شركات ناجحة بأبخس الأسعار لم يتم الكشف عنها بعد، غير أن الملاحظ في كل الذي يتم الكشف عنه من تجاوزات أنها تظهر ثم تطير في الهواء الطلق وكأنها لم تكن، ومن آخر فضائح الخصخصة ما أعلنه النائب البرلماني عن الحزب الوطني أحمد أبو حجي عن تورط نواب بدرجة رؤساء لجان برلمانية في هذه القضية.
قال أبو حجي في حوار لصحيفة الأهرام، أنه في فترة عاطف عبيد ومختار خطاب كان هناك رؤساء لجان برلمانية هم في الوقت نفسه رؤساء بنوك كانوا يمنحون المستثمرين قروضا من بنوكهم لتمويل عمليات الشراء، وكانوا يدعمون ويمنحون شرعية لهذه العمليات من خلال مواقعهم البرلمانية، وأضاف أبو حجي أنه كان هناك أيضا وكلاء للجان برلمانية شركاء في هذه الصفقات ومن بين المشترين.
قيمة تصريحات أبو حجي أنها لا تأتى من نائب معارض، وإنما من نائب في الحزب الوطني، ويهاجم رئيس وزراء كان نواب الحزب يصفقون لكلماته أمام البرلمان حول الخصخصة، التي كان يبشر الشعب المصري من خلالها بأن المستقبل مفروشا بالورود، والأهم فيها أنها تحمل اتهامات واضحة ومحددة للذين تحملوا بالدرجة الأولى مسئولية الخصخصة.
بدأ تطبيق برنامج الخصخصة في مصر في مطلع تسعينات القرن الماضي (1992)، وكان مجلس الشعب وقتئذ بلا معارضة تقريبا، ومن يعود إلى انتخابات مجلس الشعب عام 1995، وهى الانتخابات التي تمت دون إشراف قضائي سيعرف أنها كانت بداية التفات رجال الأعمال إلى الدخول في مجلس الشعب، وتوسعوا فيها فيما بعد، وبصرف النظر عن التسليم بأن هذا حق لهم، إلا أن حقائق الأمور التي تكشفت فيما بعد دلت على أن هذا التوجه كان متناغما مع توجهات الخصخصة، وأفرز هذا المشهد حقيقة الرغبة في زواج السلطة بالمال، وهو الزواج الذي تدفع مصر ثمنه غاليا الآن، وفى ظل هذا النهج رأينا كما قال أبو حجي رؤساء لجان في البرلمان يمنحون مستثمرين قروضا من بنوكهم لشراء الشركات والمصانع.
هي شبكة الفساد التي سارت وفقا لعلم مدروس دفع مؤسسة هامة مثل المجالس القومية المتخصصة لوضع دراسة هامة في منتصف التسعينات تقريبا بعنوان لافت هو: "علم الفساد"، تحدثت فيه عن أن الفساد في مصر أصبح علما يقوم على أسس كثيرة أهمها، قيام الفاسدين بتجنيد كوادر لهم في المؤسسات الحكومية وغيرها، بدءا من الموظف الصغير، مرورا بالأكبر وهكذا، وهذا بالضبط ما يقوله أبو حجي في التجربة العملية، ومع كل ذلك سيمر كلام النائب مرور الكرام دون حساب.. فلماذا؟

 

الحلقة الثانية -  أن هناك من باعوا أصول مصر كلها خربوها وقعدوا علي تلها.. مجموعة قيادات الحزب الوطني الذين أداروا مصر علي أنها عزبة ليس لها صاحب سواهم، تحكموا في كل شيء، وفعلوا كل شيء من بيع بالأمر المباشر إلي عمولات، وتخصيص ومنح، وأيضاً المنع.. بسبب الفساد والرشوة والمحسوبية، انتشرت البطالة واللامبالاة..
دب الخراب والدمار في مرافق ومؤسسات الدولة، الدكتور عاطف عبيد واحد من أولئك القيادات التي عانت منها مصر وهو الذي وصفه كثير من السياسيين والمحللين والمراقبين بأن عهده من أسوأ العهود في الوزارة علي الإطلاق.. حيث دب الدمار والخراب في المؤسسات الاقتصادية، وتفشي الفساد وتوحش غول البطالة ونهش في الشعب المصري. حظيت وزارة عاطف عبيد بنصيب وافر من سخط الشعب، خاصة في مجال الخصخصة التي أضرت بالاقتصاد المصري، وشردت الكثير من العمالة المصرية، حيث نفذ عبيد خطة بيع الاقتصاد الوطني، وكرس الاحتكارات في المجالات الصناعية الإستراتيجية خاصة في قطاعات الأسمنت والحديد بما ساهم في رفع أسعارهما بصورة مبالغة.

الحلقة الثالثة - استمات كل من وزير الاستثمار ووزير المالية في الدفاع عن سياسة خصخصة شركات القطاع العام وبيع أصول الدولة، والتصرف في حصيلة البيع، واختلفوا حول حقيقته؟ هل هي 14 مليار جنيه أم 1.6 مليار جنيه وفقا لما تضمنته الموازنة العامة للدولة، مما حدا برئيس مجلس الشعب في إحدى الجلسات إلى الإعلان عن تكليف رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بإعداد تقرير شامل حول حصيلة الخصخصة وإجراءات التصرف فيها تمهيدا لعرضه على مجلس الشعب، بعد أن كان قد تقدم عدد 101 من أعضاء المجلس في ذات الجلسة بمذكرة اتهموا فيها وزير المالية باختفاء 13 مليار جنيه من حصيلة الخصخصة. وقد نفى وزير المالية في ذات الجلسة هذه الاتهامات مؤكدا أن حصيلة الخصخصة بلغت 15 مليار جنيه خلال الفترة من 1996 إلى 2004 وان استخدام حصيلة الخصخصة قد تم في إطار من الشفافية والالتزام بالقانون، دون أن يفصح عن أي من القانون أو القوانين التي استند إليها في ذلك، حيث إننا لم نسمع حتى الآن أو نقرأ عن وجود قوانين صادرة من مجلس الشعب تقنن مسألة وسلطة التصرف في حصيلة خصخصة وبيع أملاك شعب مصر وأصول ثروته التي تكونت على مر الأجيال في إطار الملكية العامة التي لم تعد تعترف بها حكمة العهد المبارك الذي نعيش فيه. أراد وزير المالية أن يزيل الغمة بكشف الستار عن بعض جوانب مسألة الخصخصة التي لا يعلم أحد عنها شيئا، فأصدر بيانا في ذكر فيه أن جملة حصيلة الخصخصة منذ بدايتها في عام 96/1997 وحتى 30 يونيو 2006 قد بلغت 35.7 مليار جنيه، وأنه جرى سداد 11.5 مليار جنيه منها للجهات التي تم البيع لحسابها البنوك أو الشركات الأخرى، وتم تحويل 14.4 مليار جنيه إلى الموارد العامة للدولة لتمويل جانب من مصروفاتها ولسداد جزء من عجز الموازنة، وسداد 5.3 مليار لمستحقات البنوك طرف الشركات المبيعة، و3.9 مليار تكاليف المعاش المبكر ومكافآت العاملين ثم مبلغ 600 مليون جنيه فقط للإصلاح الفني والإداري للشركات، أي أن صافى الحصيلة الذي بلغ 24.2 مليار جنيه قد جرى توزيعه بمعرفة السيد وزير المالية على الوجه التالي.. 59.5% لسداد عجز الموازنة، و 21.9% لسداد ديون البنوك، و 16.1% تكاليف المعاش المبكر و 2.5% للإصلاح الفني والإداري للشركات! وعلى هذا النحو ضاعت حصيلة الخصخصة، وفقد شعب مصر أصولا وثروات ليس من السهل تعويضها، دون أن يستغل جنيها واحدا من عائد الخصخصة في تكوين استثمارات جديدة تحل محل جزء ولو مصنع واحد بديلا عما جرى التفريط فيه من مصانع بأبخس الأسعار مع انتشار الفساد الذي رافق عملية البيع، الأمر الذي حدا بلجنة الإنتاج الصناعي والطاقة في مجلس الشورى إلى أن تصدر توصية، بضرورة مراجعة سياسة بيع شركات قطاع الأعمال العام إلى الأجانب نظرا لما يشكله ذلك من خطر على الأمن القومي، وبعد التجربة السلبية التي أسفرت عن بيع شركات الأسمنت إلى القطاع الخاص والأجنبي ولكن هل استوعبت الحكومة الدرس؟ أشك في ذلك كثيرا في ضوء ما جاء على لسان جمال مبارك أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم وقتئذ، في حواره مع مستثمري العاشر من رمضان بأن الحكومة مستمرة في سياسة الخصخصة التي تستهدف زيادة دور القطاع الخاص وذلك بالطبع بغض النظر عن جنسيته حتى ولو كان إسرائيليا أو صهيونيا. والشيء الذي يدعو للريبة والعجب، هو مقارنة ما أكده وزير المالية د. يوسف بطرس غالى في بيانه، وبين ما صرح به الدكتور عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء السابق في مايو 2000 بأن حصيلة الخصخصة منذ 6 سنوات سابقة على تصريح د. بطرس قد بلغت 16.21 مليار جم تم سداد 3.4 مليار جنيه للبنوك، وصرف 6.1 مليار جنيه للمعاش المبكر، وتوريد 7.5 مليار جنيه لخزينة الدولة فكيف يكون ذلك؟ والأمر الأغرب في عملية الخصخصة هو أنه قد تلاحظ أن الحكومة قد باعت الشركات بأقل من قيمة الأرض المشيدة عليها وأهدرت حصيلة البيع، كما أنه قد اختلف الأمر اختلافا بينا في تقدير قيمة أصول القطاع العام المصري بين تاريخ وآخر، وكلها في ظل وزارات الحزب الوطني الحاكم منذ عام 1976 وحتى الآن، ففي عام 1993 قدر البنك الدولي وعدد من الهيئات العالمية قيمة شركات القطاع العام بمبلغ 550 مليار جنيه، وقدرها مركز الأهرام للدراسات الاقتصادية وبنك الاستثمار القومي نفس الشركات وفى ذات التوقيت بمبلغ 500 مليار جنيه، وبعد 3 سنوات فقط من هذا التقييم، أكد د. كمال الجنزورى رئيس وزراء مصر آنذاك أن قيمة شركات القطاع العام تعادل 124 مليار جنيه فقط، وبعد أربع سنوات أخرى أكد د. مختار خطاب وزير قطاع الأعمال أن قيمة شركات القطاع العام تبلغ 290 مليار جنيه وهكذا انخفضت قيمة القطاع العام من 550 مليار جنيه إلى 290 مليار جنيه ولم تعطنا أي من الحكومات السابقة أو اللاحقة أو الحالية أية تفسيرات تزيل هذا الغموض، فهل هذا السلوك يتفق ومصلحة اقتصاد مصر على حد ما يردده وزراء المجموعة الاقتصادية وجهابذة الحزب الوطني؟. والشيء الوحيد الواضح أمام الشعب كله فيما يتعلق بعملية الخصخصة هو أنه لم تكن هناك معايير واضحة للبيع من جانب سائر الحكومات المتعاقبة أو قانون للخصخصة، كما لم يراع أي منطق في عملية البيع، حيث تم بيع الشركات الرابحة بأقل من قيمتها الحقيقية، إلى حد أنه في بعض الشركات التي بيعت مثل شركة المياه الغازية كان ثمن بيع الشركة أقل من ثمن الأرض الفضاء للشركة، ثم تركنا الشركات غير الرابحة لكي نعانى في بيعها ونضطر لبيعها بأبخس الأثمان، وصنعنا بطالة من خلال الخصخصة 185 ألف عامل ودفعنا من عائد البيع معاشا مبكرا للعمال الذين تم الاستغناء عنهم، أما أموال الخصخصة فتم توجيه جزء منها للإنفاق الجاري في الموازنة، والجزء الآخر سددت منه الدولة ديون شركات القطاع العام من خلال السحب على المكشوف لبنوك القطاع العام، فبأي منطق تستطيع حكومة نظيف أن تحاجي بأن ذلك كله هدفه مصلحة اقتصاد مصر؟ إلا إذا كانوا يقصدون مصر أخرى غير التي نعرفها ونعيش وسط أهلها المطحونين بنار الغلاء والبطالة والفقر والبؤس والشقاء والذين لا يملكون لأنفسهم قدرة على دفع هذا الضرر الماحق. وللحكومة وللحزب الوطني أقول: إننا في حاجة إلى الصدق مع النفس، وإلى وقفة موضوعية لتقييم سياسة الخصخصة للوقوف على جدوى هذه السياسة لصالح الاقتصاد الوطني، خاصة أن دور الدولة والقطاع العام أساسي لعملية التنمية في البلاد النامية، وأن هناك دولا عديدة أقلعت عن هذه السياسة عندما وجدتها لا تخدم الصالح العام، أو توفير عمل للمواطنين.

هذه هي أولى الحلقات عن عملية خصخصة مصر التي تمت في أوائل التسعينات وقد أوردنا فيها نبذة بسيطة عن الفساد الذي تم فيها على أموال الشعب المصري وسوف نتناول باقي الموضوع في حلقات أخرى.

جريدة العربي.

 

 

 


ردود الأعضـــاء:

لا يوجد ردود على هذا الموضوع